عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )

352

شذرات الذهب في أخبار من ذهب

الحاضرين في المجلس في كل فن فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده ثم أخذوا يكتبون ما يقوله فصرفهم سيف الدولة وخلا به فقال له هل لك أن تأكل شيئا قال لا قال فهل تشرب قال لا قال فهل تسمع فقال نعم فأمر سيف الدولة بإحضار القيان فحضر كل ماهر في هذا الفن بأنواع الملاهي فلم يحرك أحد منهم آلة إلا وعابه أبو نصر وقال أخطأت فقال سيف الدولة وهل تحسن في الصناعة شيئا قال نعم ثم أخرج من وسطه خريطة ففتحها وأخرج منها عيدانا فركبها ثم لعب بها فضحك كل من في المجلس ثم فكها وغير تركيبها وركبها تركيبا آخر وضرب بها فبكى كل من في المجلس ثم فكها وغير تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب فتركهم نياما وخرج ويحكى أن الآلة المسماة بالقانون من وضعه وهو أول من ركبها هذا التركيب وكان منفردا بنفسه لا يجالس الناس وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون غالبا إلا في مجتمع المياه ومشتبك الرياض ويؤلف هناك كتبه ويأتيه المشتغلون عليه وكان أكثر تصانيفه فصولا وتعاليق ويوجد بعضها ناقصا مبتورا وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن وأجرى عليه سيف الدولة من بيت المال كل يوم أربعة دراهم وهو الذي اقتصر على القناعة ولم يزل على ذلك إلى أن توفي بدمشق وصلى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصه وقد ناهز ثمانين سنة ودفن بظاهر دمشق خارج باب الصغير وتوفي متى بن يونس ببغداد في خلافة الراضي هكذا حكاه ابن صاعد القرطبي في طبقات الأطباء والفارابي بفتح الفاء والراء وبينهما ألف وبعد الألف الثانية باء موحدة نسبة إلى فاراب وتسمى في هذا الزمان اترار وهي مدينة فوق الشاش قريبة من مدينة بلاساغون وجميع أهلها على مذهب الشافعي رضي الله عنه وهي قاعدة من قواعد مدن الترك ويقال لها فاراب الداخلة ولهم فاراب الخارجة وهي في أطراف بلاد فارس انتهى